الأربعاء، ٢٨ ديسمبر ٢٠١١

الشعب المصري دماغه مش وسخة بس بيشغلها بطريقة وسخة

الفوضى والإهمال والحقد والغل والكراهية والإتكالية والفهلوة والحداقة والاستهبال صفات متواجدة ولو بنسب يسيرة أو منعدمة في كافة شعوب العالم، ولكنها متأصلة في مصر حتى تكاد تكون السمة الغالبة للمواطنين.

الأسباب عديدة ومنها: التعليم، التربية في المنزل والمجتمع. وإذا بدأنا بالمنزل فسنجد أن الطفل عندما يبلغ الرابعة يكون بارعاً في استخدام الألفاظ القذرة مع جيرانه وأقاربه بل ويتلذذ بضربهم وسرقة أشيائهم والاعتداء على من هم أصغر منه سناً، ووسط كل ذلك ترتسم الفرحة على وجه المخابيل (الأب والأم) الذين يفرحون كثيراً لأن ابنهم بقى راجل.

ولم يكلّف المخابيل أنفسهم في تهذيب سلوكيات ابنهم عندما يتعامل ببذاءة مع الآخرين أو إذا تصرّف بوقاحة مع الجيران، وبالتالي تتكون لدى الطفل شجاعة سافرة فيتجرأ ليدير الدفة عليهم ويجرّب حظه مع الأهل، وعندها يتعجبون من أين أتى بهذه السلوكيات "الوحشة" وعندما يعجزوا عن تأديبه ينهالوا عليه ضرباً بدايةَ من الشبشب وانتهاءً بخرطوم الحمام، مع العلم أن الحل بسيط وكان أمام أعينهم لفترة طويلة ولم يكن الطفل في حاجة إلا لقليل من الصبر والفهم والتربية الحسنة.

وهنا تجدر ملاحظة أن جهل الآباء والأمهات بنشاط الطفل وذكاءه وعدم تحويله في الاتجاه الصحيح هو ما يسبب هذه الكارثة، فبدلاً من الضرب أو السب، يمكنهم تحفيظه القرآن أو تعليمه الرياضة أو الرسم أو الموسيقى أو أي نشاط يفرغ فيه طاقته، وفي نفس الوقت يراقبوا سلوكياته فيقوّموا ما يروه معوجاً باللين والنصح، والترغيب والترهيب، وغيره من أدوات التربية. ومع ذلك تضيع المرحلة الأولى من عمر الطفل وتبدأ المرحلة الثانية والأخطر وهي المدرسة.

على مدار 15 عاماً من التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعة، ينعدم ذكاء الطفل تدريجيا فلا يتعلّم إلا المناهج النظرية الجامدة التي لا تفيده خارج الفصل الدراسي. ويتقن الحفظ وأساليب التلقين، ولا يتدرب مطلقاً على فنون وآداب الحوار، أو أساليب المناظرات، وبالتالي لا ترسخ في عقل الطالب إلا فكرة واحدة، ورأي واحد، ومقولة واحدة وشخص واحد. لا مكان في مخيلته لرأي آخر أو وجهة نظر أخرى، أو أن لكل مشكلة أكثر من حل. إنها النظرية الوحدوية الكارثية التي زرعتها مصر في جميع أبنائها كما لو أننا أصل وخمسة وثمانين مليون نسخة.

لا يتعلم الطالب في أيّة مرحلة دراسية مبدأ التفكير الناقد أو أن كل رأي يحتمل الصواب والخطأ أو أن ما بين اللونين الأبيض والأسود ألف درجة من الرمادي، وبالتالي لا يتمتع بنظرة شاملة في تقدير المواقف ويفقد القدرة على التعامل مع الناس على اختلاف دياناتهم وخلفياتهم وثقافاتهم وألسنتهم، فيفقد أيضاً أدب الاختلاف في الرأي.

الأمر الأشد خطراً انعدام قدرته على وضع الأمور في ترتيبها ونسقها الصحيح، والجهل بمبدأ الأولويات، وقاعدة الأهم فالمهم، فيخرج الطالب من الكلية غير قادر على تحديد أي أمر في حياته. لا يعرف ماذا يريد، وفي أي مجال سيعمل، وهل هذه المرأة مناسبة له كشريكة في الحياة وهل سيتمكن من تربية أبناء أسوياء معها، هل جاره إنسان سيء أم جيد، هل هذا السياسي أو ذاك المرشح أهل للاختيار أم لا. وتضيع المرحلة المهمة الثانية ويتخرج المواطن المصري من أكبر الكليات وهو أجهل من دابة.

ثم يقذف به الوطن في بحر الحياة، دون أن يعلمه العوم أو يدله على اتجاه الشاطئ أو حتى يرمي له بطوق نجاة. وبناء على دماغه وتركيبتها المضطربة وغير المتوازنة ونظراً لأنها لم تعمل طوال عشرين عاماً بالشكل الصحيح، يجد الإنسان نفسه في مواقف يومية مع خمسة وثمانين مليون مصري يمتلكون نفس العقلية المشوشة والرؤية المشوهة والفكر المعيب. وعندما يعجز عن مواجهة هؤلاء الأشخاص أو التعامل معهم بمنطقه الوحدوي، يقرر في نهاية المطاف أن ينضم إلى القطيع، بعد أن يدرك تمام اليقين أنه لن يحيا في هذه الغابة إلا إذا تعلم حيلها.

وهنا تبدأ المرحلة الأخيرة ونقطة اللاعودة. يتحول المواطن المصري تدريجياً وبكل أريحية إلى كائن حي لديه عقل جيد ولكنه غير قادر على استخدامه بالصورة الصحيحة، فيكتسب مهارات مثل الفهلوة، والحداقة، والمداهنة، والمراوغة، وقليل من الكذب على كثير من النصب حتى يصبح في النهاية ما يطلقون عليه اسم "دماغ وسخة".

لو أخذنا نفس هذا المواطن ووضعناه في أي دولة أخرى (ولتكن عربية) فسنجده في وضعين لا ثالث لهما. الأول أن ينضبط ويسير وفق منظومة العمل ويحترم المكان الذي يعيش ويعمل فيه ويصبح ترس في ماكينة، وتبدأ أفكاره في الانتظام شيئاً فشيئاً ويبدأ في وضع أولويات لنفسه وخطط مستقبلية له ولعائلته. أو يدرك أنه لن يتغير، وبالتالي يبذل أقصى ما في وسعه لاستخدام أساليبه القذرة في السرقة أو النصب أو الاحتيال ثم يكبش أكبر مبلغ يمكنه الحصول عليه بطرق غير شرعية ليعود إلى مصر.

إنني لا ألوم المواطن المصري وحده، فهذا ليس الهدف من القصة، بل ألوم أيضاً المجتمع الفاسد الذي نعيش فيه، وأتمنى من الله أن يتغير قبل أن يكبر أبناؤنا ويضطروا إلى معاناة ما عانيناه من قبل.

الأحد، ١٦ أكتوبر ٢٠١١

خمسين مليون مصري

خمسين مليون مصري
لم أكتب هذه الكلمات إلا لرغبة مني في تسليط الضوء على واقع يعيشه الملايين ولا يعرف عنه سوى القليلون. إنه الأرياف والصعيد والنوبة وسيناء، أهالي القرى والعزب والكفور والنجوع الذين يفوق تعدادهم 50 مليون نسمة، إذا فرضنا أن سكان القاهرة والإسكندرية معاً يشكلون باقي الثمانين المليون مصري.

لم يعتقد أي مسئول حتى الآن أن هذه الأماكن بحاجة للإسفلت كما في المدن، وتخيّل ونحن في عام 2011 تلك الشوارع الترابية التي تسير عليها عربات متهالكة (بيجو 504 وفيات وسيات) فتُشجيك بمزيج من العُفار والجازولين المحروق، الذي لا يؤثر على سلامة عينيك أو أنفك أو صدرك أو حتى ملابسك، بل وعلى مزاجك العام في كل مرة تسير منطلقاً من منزلك في آخر القرية باتجاه محطة القطار أو موقف سيارات الأجرة. هذا في الصيف فقط، أما الشتاء فالقصة أكثر لزوجة.

الشتاء في كل الدنيا خير، وفي المدن تغيير، وفي الصحراء بركة ونماء، ولكنّه في الأرياف بلّة وطين وعكّة للركب.

وليست المغامرات الشيّقة التي ستخوضها يومياً أثناء سيرك على طرقات أقرب ما تكون إلى "ووتر سلايدز" بالعامل الوحيد لتدفق الأدرينالين في جميع أجزاء بدنك، فهناك عوامل أخرى. وأبرزها حتماً تلك المناورات المشروعة لسائقي العربات والميكروباصات والتكاتك والعربيات الكارو، وهم يحاولون إحكام سيطرتهم على مركباتهم في طرقات تشبه رغاوي الصابون، والتي أحياناً ما تبوء بالفشل فينتهي بك المطاف أنت والسائق والتّباع و12 راكباً آخراً في الترعة أو المصرف.

وبعد كل ذلك، لن تتنفس الصعداء حتى تصل إلى الموقف أو المحطة ثم تفتش جيداً في كل منطقة من ملابسك لتتأكد من عدم وجود أي طرطشة أو طين أو بلل في أعقاب هذه المغامرات القصيرة. وتتمنى، وأنت تعلم يقيناً أن ذلك لن يحدث، ألا تضطر للمعاناة مرة أخرى أثناء عودتك للمنزل.

الكهرباء في أي مكان في العالم هدفها الأساسي الإنارة وتشغيل الأجهزة، ولكنّها في هذه المناطق رفاهية مطلقة. وهي دائماً مجنونة وبحالات زي الطماطم ( المسماة بالقوطة عند أهل البندر)، فهي ما بين انقطاع دائم طيلة النهار وأحيان من الليل وقليل عند الفجر، وإما متواجدة في كل وقت وحين ولكنها مسرّية (ضعيفة جداً) ولا تقوى على تشغيل الأجهزة، بل وتتسبب في إتلافها وحرقها. وما الخيار الثالث بأفضل من سابقيه، فقد تظل متواجدة، وعلى سبيل إدهاشك بسبب البيئة الكئيبة الساكنة التي تعيش فيها، تأتي ونتقطع أربع أو خمس مرات في الدقيقة الواحدة وتظل على هذا المنوال ساعتين إلى ثلاث ساعات حتى تتمنى لو أن إديسون دهسته شاحنة فقتلته قبل أن يخترعها.

المستشفى مرفق حيوي ولا أعتقد أنني بحاجة لشرح أهميته، ولكنّ المستشفى في القرى تجبرك على ألا تمرض، لأن زيارتها قادرة على قتل كل أمل لديك في الشفاء. فلا طبيب متواجد ولا معدات ولا إسعافات ولا ممرضين. فإذا مرضت ساي (قول يعني) الساعة 12 ليلاً، لا تحاول مطلقاً الذهاب إلى المستشفى. ولكن عليك بالإجراء المتّبع في حالات الطوارئ الريفية، وهو الاتصال بعم أحمد (صاحب العربية البيجو 504) ليستقلك فوراً إلى المركز أو البندر.

ولا تحاول أيضاً الذهاب إلى أي مركز متخصص، لأنه لا توجد مراكز متخصصة تعمل حتى هذا الوقت المتأخر! ولأن عم أحمد متعوّد دائماً على هذه المواقف الطارئة فسوف يقلك مباشرة إلى المستشفى العام التي ستجد فيها أطباء ولكن لن تجد فيها دواءً أو معدات أو أجهزة أشعة (لأن المسؤول عن جهاز الأشعة روح بيته يتعشى). وكملاحظة أخيرة لا تحاول الاتصال بسيارة الإسعاف، لأن سائقها غالباً ما يأوي للفراش مبكراً.

لن أتحدث عن الإنترنت لأن ذلك كارثة محققة بكل المقاييس. ولكي تحصل على هذه الرفاهية، وهي في الأرياف والصعيد والنواحي المطّرفة (النائية) أمر بعيد المنال، يجب في البداية الذهاب إلى مزوّد الخدمة في المركز أو البندر والتعاقد معه، ثم تنتظر شهراً حتى يأتي إلى سنترال قريتك أو عزبتك لتركيب ما يسمى (دسلام)، ثم يأتي إلى منزلك ليمنحك الراوتر ومعه ذلك الجهاز العجيب (قسّام) الذي يشقّ خط التليفون خطين، أحدهما للهاتف والآخر للانترنت، وأخيراً يصبح لديك إنترنت (حمدالله عالسلامة). وبالطبع ذلك كله إذا فرضنا أن لديك هاتف في المنزل!

أما إذا لم يكن لديك هاتف، فعليك بالباشمهندس السيد، وهو طالب في كلية تجارة غالباً، ومشترك في الانترنت وفقاً لما ذكرت سابقاً، ولكنه يوزّع الانترنت عبر خطوط سلكية متسلقة على جدران المنازل وأعمدة الكهرباء (نفس فكرة الدش المركزي) مقابل اشتراك شهري زهيد، ولكنه دائم الانقطاع إما لعطل عند الباشمهندس، أو لأن الهواء أوقع السلك من على العمود، أو لأن الكهرباء منقطعة أو لأن السنترال لا يوجد به جازولين لتشغيل ماكينة خطوط الهاتف.

احتياجاتك من ملبس ومأكل ودواء مرهونة بمواعيد محددة وأماكن محددة، فمثلاً لا يمكنك العثور على حجارة تريبل إيه (بتاعة الريموت) إلا إذا كان أحد أفراد المنزل ذاهباً إلى المركز أو المدينة بالصدفة، لأنه وللأسف الشديد لا يوجد في هذه القرى والنجوع والعزب كارفور، أو هايبر ماركت كبير، أو سوبر ماركت صغير، فكل ما هناك المحلات الصغيرة والأكشاك التي تغلق أبوابها بعد العشاء بساعتين في الصيف وبعده بساعة في الشتاء، والتي لا توفر إلا الاحتياجات الأساسية، وبالطبع لن تجد بها جبن رومي، ولا لانشون ولا بسطرمة، وحذار أن تسأل البائع عن الريكفور لأنه قد يظنّ أنك تسبّه.

 وأخيراً، هذا المواطن، الذي لم يعرف من وطنه سوى القسوة، وكأنه طفل لقيط تركته أمه على باب مسجد، ليكبر وسط بيئة تغلفها المعاناة والشقاء منذ بداية حياته وحتى الممات، كيف تتصور أنه سيحب مصر وينتمي لها؟ وهل تعتقد أن الثورة ستفرق كثيراً مع مواطن ظل يشعر لعقود أنه غير مهم وغير ضروري ولا يشكل جزءً من نسيج هذا الوطن؟ سأترك لكم الإجابة.
المواطنة هي الحل.



الاثنين، ٣ أكتوبر ٢٠١١

لماذا لم تنجح الثورة؟

الكل بلا استثناء فكّر ومحّص وتفلسف في أسباب اندلاع الثورة وشرارتها الأولى، وأدلت كل جماعة أو فرقة بدلوها، واستأثرت لنفسها شرف التخطيط والمشاركة، حتى وإن كانت تخدع نفسها خداعا بيّناً لتبني مجداً وتكتب تاريخاً ليس لها موضع قدم فيه، وتناسى الجميع أن الثورة في حد ذاتها ما هي إلا الشرارة الأولى لنهضة لم تتحقق بعد.

اعتقدنا جميعاً، وربما تمنّينا أو عشنا في أحلام اليقظة آملين أن نصحو يوم 12 فبراير على شوارع نظيفة، ومدارس غير مكتظة، وحافلات تحترم آدمية الإنسان، وسائقين مهذبين، وآباء يعاملون أبنائهم برفق، وأبناء يحترمون ذويهم وجيران ذابت بينهم الخلافات فأصبحوا أشقاءً.

حلمنا أن المستشفيات ستقابل المرضى بالأحضان، وأن أقسام الشرطة ستكون ملاذاً للمظلومين، وأن كيلو اللحمة سيراعي ظروفنا وينزل من برجه العاجي وسعره الخرافي احتفاءً بسقوط مبارك، ناهيك عن باقي السلع التموينية والفواكه والخضروات التي تصورناها ستتمايل فرحاً بعودة مصر إلى سكانها الأصليين بعد اختطاف دام طويلاً.

انتهت الثورة وعاد كلُّ إلى بيته وعمله ليمارس نفس العادات، ويفعل نفس الأشياء، ويتعامل مع الزملاء والجيران والشارع والبيئة بنفس الأساليب العقيمة السالفة. فهل تغيّر ما بداخلنا بعد الثورة حتى يتبدل حال مصر للأفضل؟ لا بالطبع.

لكنّ الوهم لم ينتهي عند ذلك الحد، فلا زلنا متخيلين أن العيب ليس منا وأننا ملائكة مظلومون مقهورون ننتظر صانع المعجزات الذي سيمنحنا العدل والأمان والرخاء ويعوّضنا عن الذل والظلم الذي شربناه أقداحاً لسنوات طوال.

لا زلنا متوهمين أن مجلس الشعب الجديد والرئيس القادم سيمتلكون عصا سحرية تحوّل مصر إلى جنة خضراء قطوفها دانية لا نصب فيها ولا وهن، وعندئذ فقط وليس قبل ذلك، سنتحول إلى مواطنين صالحين نحترم ذاتنا وغيرنا.

نحن شعب نخر السوس هيكله الأخلاقي حتى أصبح لا يفرّق بين الصواب والخطأ، الحلال والحرام، المهم والأكثر أهمية؛ شعب لا يعمل إلا تحت وطأة الضغط والمراقبة، لا يتحدث إلا في المباريات والأفلام، شعب لا يريد أن يُعمل عقله إلا في كل تافه.

لهذا وحتى إن أصلح القادمون حال الأبنية والطرقات والمدارس والمستشفيات، فإنهم لن يصلحوا حال المواطن وسلوكياته وتصرفاته. إنّ منظومتنا الأخلاقية مضطربة بحق، فلم يعد هناك اعتزاز بقيم الصدق والأمانة والعدل والشرف والاجتهاد والصبر، بل أصبحت كلها مرادفات لقصر الذيل والطيبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

هل تحدث كل أب مع أطفاله ليوضح لهم أهمية الثورة، ولماذا قامت؟ هل شرح لهم دورهم المهم في المرحلة القادمة؟ هل قال لهم أن بإمكانهم المشاركة فيها بتحسين أخلاقياتنا، فلا نكذب بعد اليوم، ولا نسب غيرنا، ولا نتعدى على الآخرين، وأن نحترم القانون ونرحم الحيوان قبل الإنسان، وأن نأخذ دورنا في الطابور بداية من طوابير الخبز حتى طوابير دخول السينما.

هل توقف الموظف عن تلقي الرشوة؟ هل قرر الطبيب أن يخفّض أجرته إلى النصف مراعاة للمرضى الفقراء؟ هل قرر المدرس أن يبذل ولو مجهوداً يسيراً في الفصل؟

سيقولون ليس الشعب وحده السبب، فهناك حكومة هزيلة وفلول يكيدون وعسكر يماطلون، ولكن هل هم السبب في جشع المدرسين والأطباء والتجار والحرفيين وانعدام ضمير الموظفين والعمال، وإهمال وتهور السائقين.

لن ننهض إلا إذا غيّرنا ما بداخلنا، وقررنا ألا نلقي باللوم على غيرنا. سننجح إذا عرفنا أسباب قوتنا واعتمدنا عليها بدلاً من الفهلوة والشطارة والحداقة والمفهومية. يجب أن تتبدل صفاتنا القبيحة إلى أخرى حميدة.

سافرت كثيرا وزرت بلدانا أكثر، ومنها فيتنام، وهالني ما رأيته فهي دولة تكاد تكون حطاماً إلا أن أهلها يعملون في صمت ويبذلون قصارى جهدهم لكسب لقمة العيش. الطرقات مترهلة ولكنها نظيفة. أعمدة الكهرباء الخشبية في كل مكان، ولكن لا نجد عليها رسائل تبادل الغرام بين العاشقين. الأجور زهيدة ولكن لا نجد من يطالب بأكثر من حقه، أو يعمل أقل من ساعات العمل المفروضة بحجة أن الراتب زهيد.

نعم قد يكون حال الوطن مؤلماً، ولكنّ حال المواطنين بأيديهم، فلا أحد يملي عليك أخلاقك وسلوكياتك وتصرفاتك، بل أنت الرقيب على نفسك.

من الآخر، ومن غير فلسفة فارغة، لا زم ننضف من جوانا عشان البلد تنضف والثورة تنجح.

الاثنين، ٢٧ يونيو ٢٠١١

تويتر لا يصنع الحدث

بسم الله الرحمن الرحيم

من المؤكد أن تويتر بيئة مثالية للأكاديميين والنخبويين والمفكرين والناشطين السياسيين وكل أطياف المجتمع المثقفة أو على الأقل المتعلمة والقادرة ماديا على البقاء متصلة بالانترنت 16 ساعة من بين 24 ساعة في اليوم سواء في المنزل أو عبر بلاك بيري.

تويتر مكان رائع لتستمع فيه لرأي جيد أو مقولة فذّة الصياغة أو تناقش فيه فكرة تستحق عناء المناقشة. ولكنه في المقام الأول والأخير ناقل للحدث وليس صانعا له. تويتر يمنحك الفرصة لتتحدث وتتحاور وتصرخ وتسب ولكن كل ذلك في نطاق رد الفعل، لا الفعل. قرأت خبرا مستفزا في الجرائد فتضع الرابط وترسل تويتة. شاهدت فيديو وأدهشك محتواه وتريد من متابعيك أن يشعروا بنفس مشاعرك، فترسل رابطه في رسالة. ولكن أن تصنع حدثا وتروج له عبر هاشتاج، فهذا أيضا لم يكن فعلا بل رد فعل، و#Jan25 خير مثال على ذلك.

استعملنا جميعا هذا الهاشتاج وكانت كل تويتة كحجر وراء حجر يحرك المياه الساكنة حتى تبلغ موجات الثورة مداها، ولكن إلى أين وصلت الموجات؟ إلى كل أبناء مصر والعالم العربي والمجتمع الدولي. ولكنّ تلاحق الأحداث على أرض الواقع هو ما استقطب اهتمام العالم ووسائل الإعلام وأوساط المدونين. كانت التويتات بمثابة سيل من الوقود يبقي جذوة الثورة مشتعلة في قلوب المتابعين من شتى أرجاء العالم. ولكن لما خبت جذوتها في الشارع وعلى أرض الواقع، تخافت أثرها أيضا في العالم الافتراضي.

الاستفتاء كان مثالا آخرا جيدا. وانقسم تويتر بين بروفايل أخضر يحمل كلمات نعم وأيوه، وبروفايل أحمر يحمل كلمات لا ولعّ. انشغلنا على مدار أسبوع أو أكثر في تبادل الحجج والآراء وقضينا ساعات طوال في المناقشة شربنا خلالها أكوابا من الشاي والقهوة لا حصر لها، وفي النهاية لم يغير أحد رأيه ولم نصل إلى المواطن البسيط. لماذا؟ لأن تويتر مجتمع أيديولوجي، فكل مستخدمو تويتر أشخاص لهم آراء وتيارات فكرية محددة مسبقا. بينما على أرض الواقع، ماذا كانت النتيجة؟

خطباء المساجد هم من حسموا الموقعة. خطبة جمعة واحدة أنهت الانقسام الدائر بين أفراد العائلة الواحدة، وحسمت الأفكار المتصارعة في عقل المواطنين البسطاء. يافطتين كُتب على أحدهما نعم للاستقرار والأخرى نعم للدين.

تحدثنا كثيرا على تويتر ولكننا لم نتحدث مع أنفسنا بل عن أنفسنا وآرائنا. لم نستمع لما يريد الآخر قوله، فحاورناه بمنطقه. بل حاولنا أن نوصل له معلومة مفادها أننا أكثر علما وفهما وخوفا على مستقبل مصر. ولكنه لم يستمع. أتدرون لماذا؟ لأنه أيضا حريص على مصر ولكن من وجهة نظره التي حسمها مسبقا رجل الدين عندما قال له أمك ستخلع الحجاب والنساء ستسير عرايا في الشارع وأن الاقتصاد سينهار وسنتضور جميعنا جوعا، إذا قلت لا.

هل استوعبنا الدرس. حتما لا. فلازلنا نمارس نفس العادات ولا زالت لدينا نفس القناعات. حتى آرائنا لم تزدد إلا صلابة ولم نزدد إلا تشبثا بها. قد يكون مجتمع تويتر على حق. فهم جيل من الشباب الواعي الحر المثقف الذي درس جيدا ولم يعش في بيئة مفعمة بالقهر الفكري الذي يفرض عليه تيارا أو رأيا أو منهجا محددا.

قد نكون جيلا من الشباب الذي قُدّر له السفر خارج مصر فرأى كيف نهضت الأمم ويريد لأمته أن تنهض مثلها. قد نكون جيلا قارئا ومطّلعا على تاريخ الشعوب والأمم والثورات السابقة، ويعلم أن كل ثورة معرضة للإجهاض في شهورها الأولى إذا لم يلتف حولها الشعب بكافة طوائفه.

ولكن بالرغم من كل هذا، غفلنا حقيقة وحيدة. وهي أن نسبة المؤثرين على تويتر ما هي إلا غيض من فيض هذه الأمة التي تتخطى 80 مليون شخص. فلسنا إلا أعدادا يسيرة، ولا نملك سلاح الدين أو الاستقرار. بل الكلمات والفكر الذي لا نستطيع إيصاله إلا لمفكرين آخرين مثلنا. وليس إلى عامة الشعب.

ستأتي الانتخابات النيابية قريبا، وسيتكرر ما حدث في الاستفتاء. ولن تجد سوى يافطتين أحدهما مكتوب عليه انتخب فلانا لاستقرار قريتك أو مركزك أو محافظتك، والأخرى ستقرأ فيها آية قرآنية مكتوب عليها "انتخبوا القوي الأمين".

وسنظل نتناحر على توتير وعلى التلفزيون حول جدوى استخدام الاستقرار والدين في الانتخابات. ولكن في نهاية المطاف سيفوز من همس في أذن المواطن البسيط باسم الدين والاستقرار، ومن قدّم وعودا برصف الشوارع وبناء المستشفيات أو المساجد أو المدارس أوتشغيل العاطلين.

هذا ما يريد المصري البسيط سماعه، وهذا ما اعتاد عليه طوال عقود من الفساد والإفساد. إنه يريد حلولا سريعة لمشاكله المتفاقمة، لا أن تقول له اختر فلانا لأنه سيشارك في سن القوانين أو وضع الدستور أو محاسبة المسئولين.

وسؤالي الأخير لكم: إذا حدث ذلك مجددا، فماذا نحن فاعلون في انتخابات الرئاسة، وهل سنظل نستخدم تويتر كما نفعل الآن؟؟!

الجمعة، ١٠ يونيو ٢٠١١

فضفضة

بسم الله الرحمن الرحيم

فضفضة

دراعك مرسوم عليه صليب. قورتك عليها زبيبة صلاة. مش ده المهم. لابس روب أبيض أو أسود أو حتى عفريتة زرقا. برده مش ده المهم. إيدك مشققة من الفلاحة في الغيط، أو هدومك مزيتة من تصليح العربيات، أو الشمس هرت نافوخك من القعدة في الشارع عشان تبيع خضار وفاكهة.

يمكن عندك عشر سنين وأول مرة تشوف ثورة قدام عينيك، أو عمرك 30 سنة ومش عارف احنا رايحين على فين، أو حتى عندك خمسين سنة ولسه مش مصدق إن احنا عملنا ثورة بجد. كل ده مش مهم.

المهم إننا كلنا اتنيلنا شربنا من نيلها وجاتلنا الأمراض، وأكلنا من خيرها وجالنا السرطان، ومشينا في شوارعها وموتتنا حوادث الطرق، وركبنا عباراتها وغرقنا في الميا، وركبنا قطوراتها اللي ولعت بينا، واتعلمنا في مدارسها وطلعنا جهلة.

زهقنا وقرفنا واتخنقنا وفقدنا الأمل في إصلاح أي حاجة لأن كل حاجة كانت بمنتهى البساطة "بايظة". وجه يوم 25 يناير – اللي احنا حددنا معاده – على فيس بوك بقا ولا على تويتر مش دي القضية – المهم إن كل المصريين(انفجروا) بعد ما كانوا عايشين وراضيين وساكتين.

طيب وبعدين؟ البلد ما تغيرتش وكل حاجة زي ما هيا؟ احنا رايحين على فين بالظبط؟ مش هقدر أجاوبك، وده لأني فعلا مش عارف الإجابة. وأعتقد إن فيه 80 مليون برده مش عارفين وبيحاولوا يدوروا على الإجابة النموذجية ومش لاقيينها.

كل اللي اقدر أقوله إن في حاجات اتغيرت بعد الثورة ودي ملاحظاتي اللي يمكن تجاوب على بعض الأسئلة:

· إبراهيم عيسى بقى له برنامج اسمه في الميدان بيحاول "يحرر" فيه العقول مستخدما قفشات الأفلام الأبيض وأسود

· عصام العريان بقى بيظهر على التلفزيون والجرايد أكتر من جمال مبارك

· الحزب الوطني بقى تنظيم محظور

· مبارك بيقولوا عيان وبيصيف في شرم الشيخ

· جمال وعلاء ووزارة نظيف عايشين في بورتو طره

· المجلس الأعلى بيحكم البلد ومش هقدر انتقده عشان المحاكمات العسكرية - ربنا يكفينا شرها

· الشرطة موجودة ومش موجودة – دي مش فزورة – ده أمر واقع

· ريم ماجد بتعافر عشان الناس تعرف حقوقها السياسية وبرده مش نافع. جربت كل الطرق ما عدا إنها تعمل شعرها كيرلي.

· السلفيين عملوا حزب سياسي بعد ما كانوا بيحرموا الخروج على الحاكم

· الحاجة الوحيدة اللي متغيرتش بصراحة هي مهنية وحيادية يسري فوده، والكهربا اللي لسه بتقطع في الصيف وطوابير العيش إلخ...

وبالرغم من كل هذه الملاحظات، لسه عندي أمل أن مصر هتتحسن للأفضل. جايز ده يحصل لما نعمل دستور جديد. ويمكن لما ينتخبوا مجلس شعب، واحتمال لما نختار رئيس جديد.

وفي وسط كل الهيصة دي، الليبراليين عايزين الدستور الأول، والإسلاميين عايزين مجلس الشعب الأول ومعاهم 77 في المية من اللي قالوا نعم. وأنا عايز رئيس الجمهورية الأول.

عامة الترتيب مش مهم لأني ملتزم بالديمقراطية، واللي الشعب يختاره أنا موافق عليه. سواء اختاره بقناعة أو تحت اسم الدين أو الاستقرار وماسورة التنمية. المهم إن الشعب يختار وبسرعة، ولو حس إنه غلط هيراجع تاني اختياراته وينفذ اللي شايفه صح.

يبقي غبي اللي يفتكر إن مصر أو المصريين هيقبلوا بالأوضاع القديمة. الحكاية وما فيها إن الشعب طلع كل طاقته من أربع شهور. وهو دلوقتي بياخد نفس عميييييق وبيستجمع قوته. وبيراقب كل الأراجوزات. ولو حس إنه بيتضحك عليه من أي حد. أنا متأكد إنه هينفجر تاني.

الأربعاء، ٢٥ مايو ٢٠١١

جمهورية الإخوان المتحدة

لا تنتظروا من الإخوان أكثر من ذلك. لقد حققوا ما أرادوا، وليس لديهم نية لتحقيق ما يريد الشعب. مصالحهم كانت تقتضي إزاحة مبارك وأتباعه فقط، ليتمكنوا هم من الأخذ بزمام الأمور. لا يعنيهم تطهير الفساد أو محاكمة رؤوسه أو اجتثاث شجرته الملعونة التي ضربت بجذورها في كل شبر من أرض مصر، فلم تستثن قطاعا أو مؤسسة أو فردا.

إنهم لا يريدون مصر نقية متطورة متقدمة حرة، بل يريدون ذلك لدولتهم. والحق أيضا أن هناك إخفاقات متتالية من حكومات متعاقبة على مدار قرن من الزمان، هي التي قوت شوكتهم ووحدت صفهم وجعلت منهم دويلة تطمح وتسعى لأن تكون دولة فاتحادا فخلافة فحاكما للعالم أجمع.

منذ قديم الأزل لم تعرف مصر كيف تمنح أبنائها أبسط حقوق المواطنة. ومع حكم مبارك، استوحش واستفحل هذا الشعور، وسرى في روح وعقل وعقيدة كل مصري حتى شعر بالضعف والهوان والوحدة. فلم يعد يجد دولة تحميه أو توفر له الحد الأدنى من الكرامة والحرية ومقومات الحياة من ملبس ومأكل ومسكن وتعليم ورعاية صحية أو حتى فرصة عمل يقتات منها بكده.

الوحيد يبحث عن أنيس، والتائه يجوب الأرض حتى يصل إلى بغيته أو يجد من يرشده. ولأننا فقدنا الأزهر ودوره في بث روح الإسلام المعتدل الحنيف، وانهار التعليم ليعشش الظلام في عقول المصريين، وضاع العدل حتى امتلأت السجون بالمظلومين، كان من الطبيعي أن تظهر الجماعة كمنارة وسط هذا الظلمة الموحشة، فتستقطب كل وحيد وتائه. وانضم إليها صنفان إما عالم لديه طموح سياسي أو ديني، أو ضعيف نفس مغيب لا يمتلك رؤية أو هدفا واضحا.

فماذا أعطتهم الجماعة إذا؟ لقد منحتهم دولة بديلة. دولة قائمة بذاتها بما لديها من إدارة وأقسام وتمويل وتعليم وتكافل اجتماعي وإعلام، والكثير من مقومات الوطن الذي يمنح أبنائه حقوق المواطنة. ذلك الكيان الأكبر الذي وفر لهم ما يتعطشون إليه من أمان معنوي ومادي في ظل ظروف عصيبة تعيشها أمة مفلسة لا تملك الحطام.

والسؤال هنا ها سيضحى الإخوان بدولتهم؟ هل سيتركون ما بنوه طوال 80 عاما يذهب أدراج الرياح؟ عندما شارك الإخوان في الثورة، هل شاركوا فيها دفاعا عن مصر أم دفاعا عن دولتهم؟

لقد حققوا بغيتهم وذهب سجانهم بلا رجعة. أما أن تتطور مصر وتتقدم وتتطهر من الفساد، فذلك لا يعنيهم مطلقا. إنهم الآن يبنون دولتهم الموسعة المترامية الأطراف، فلا يعنيهم شأن التعليم أو الصحة أو المواصلات، على الأقل في الوقت الراهن. إنهم ينظرون إلى المستقبل، فكل ما يعنيهم خلال الفترة المقبلة هو التغلغل إلى المناصب التشريعية لوضع سياساتهم ثم إحكام سيطرتهم على مقدرات الأمة واقتصادها وتجارتها وصناعتها وتعليمها حتى يطوعونه وفق ما يريدون.

لهذا لا أنتظر منهم أي دور فاعل في البناء أو تطهير الفساد. فهم الآن مشغولون ببناء أكبر، وتكوين قاعدة أوسع. ولكن أقول لكم، لو أن مصر تطهرت وتولى خيارها أمورها، فسوف تنهار الجماعة ولن يبقى منها إلا حزب سياسي كباقي الأحزاب الأخرى.

إذا لعب الأزهر دورا فاعلا في نشر الدين الإسلامي وبث روحه المعتدلة، فلن نجد تيارات تدعو إلى دين الله حسب أهوائها. وإذا فعلت وزارات الدولة أدوراها، فلن نجد جاهلا أو جائعا أو مريضا ولن نكون بحاجة إلى جماعات تستخدم قناع المساعدة لنشر أهدافها. إذا صلح حال القضاء، فلن نجد مظلوما أو حاكما جائرا، وبالتالي لن نجد جماعة تسعى لتطبيق العدل وفق ما تراه صحيحا.

إذا تضافرت جهود المصريين، ووضعنا مشاكلنا على الطاولة وبادرنا بحلها، فستذوب خلافاتنا وسوف نلتفت إلى البناء وتعمير أمتنا. ولكن قبل كل هذا، يجب أن نحاكم المفسدين، ونعين أسر المستشهدين ونقف بجانب المصابين. لا بد أن يوحدنا هدف واحد هو مصرنا الغالية. لا جماعتنا ولا حزبنا ولا تيارنا. بل مصر واحدة لمصير واحد.