الكل بلا استثناء فكّر
ومحّص وتفلسف في أسباب اندلاع الثورة وشرارتها الأولى، وأدلت كل جماعة أو فرقة بدلوها،
واستأثرت لنفسها شرف التخطيط والمشاركة، حتى وإن كانت تخدع نفسها خداعا بيّناً لتبني
مجداً وتكتب تاريخاً ليس لها موضع قدم فيه، وتناسى الجميع أن الثورة في حد ذاتها
ما هي إلا الشرارة الأولى لنهضة لم تتحقق بعد.
اعتقدنا جميعاً،
وربما تمنّينا أو عشنا في أحلام اليقظة آملين أن نصحو يوم 12 فبراير على شوارع
نظيفة، ومدارس غير مكتظة، وحافلات تحترم آدمية الإنسان، وسائقين مهذبين، وآباء يعاملون
أبنائهم برفق، وأبناء يحترمون ذويهم وجيران ذابت بينهم الخلافات فأصبحوا أشقاءً.
حلمنا أن المستشفيات
ستقابل المرضى بالأحضان، وأن أقسام الشرطة ستكون ملاذاً للمظلومين، وأن كيلو
اللحمة سيراعي ظروفنا وينزل من برجه العاجي وسعره الخرافي احتفاءً بسقوط مبارك،
ناهيك عن باقي السلع التموينية والفواكه والخضروات التي تصورناها ستتمايل فرحاً بعودة
مصر إلى سكانها الأصليين بعد اختطاف دام طويلاً.
انتهت الثورة وعاد
كلُّ إلى بيته وعمله ليمارس نفس العادات، ويفعل نفس الأشياء، ويتعامل مع الزملاء
والجيران والشارع والبيئة بنفس الأساليب العقيمة السالفة. فهل تغيّر ما بداخلنا بعد
الثورة حتى يتبدل حال مصر للأفضل؟ لا بالطبع.
لكنّ الوهم لم ينتهي
عند ذلك الحد، فلا زلنا متخيلين أن العيب ليس منا وأننا ملائكة مظلومون مقهورون ننتظر
صانع المعجزات الذي سيمنحنا العدل والأمان والرخاء ويعوّضنا عن الذل والظلم الذي شربناه
أقداحاً لسنوات طوال.
لا زلنا متوهمين أن مجلس
الشعب الجديد والرئيس القادم سيمتلكون عصا سحرية تحوّل مصر إلى جنة خضراء قطوفها
دانية لا نصب فيها ولا وهن، وعندئذ فقط وليس قبل ذلك، سنتحول إلى مواطنين صالحين نحترم
ذاتنا وغيرنا.
نحن شعب نخر السوس
هيكله الأخلاقي حتى أصبح لا يفرّق بين الصواب والخطأ، الحلال والحرام، المهم
والأكثر أهمية؛ شعب لا يعمل إلا تحت وطأة الضغط والمراقبة، لا يتحدث إلا في
المباريات والأفلام، شعب لا يريد أن يُعمل عقله إلا في كل تافه.
لهذا وحتى إن أصلح
القادمون حال الأبنية والطرقات والمدارس والمستشفيات، فإنهم لن يصلحوا حال المواطن
وسلوكياته وتصرفاته. إنّ منظومتنا الأخلاقية مضطربة بحق، فلم يعد هناك اعتزاز بقيم
الصدق والأمانة والعدل والشرف والاجتهاد والصبر، بل أصبحت كلها مرادفات لقصر الذيل
والطيبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
هل تحدث كل أب مع
أطفاله ليوضح لهم أهمية الثورة، ولماذا قامت؟ هل شرح لهم دورهم المهم في المرحلة
القادمة؟ هل قال لهم أن بإمكانهم المشاركة فيها بتحسين أخلاقياتنا، فلا نكذب بعد
اليوم، ولا نسب غيرنا، ولا نتعدى على الآخرين، وأن نحترم القانون ونرحم الحيوان
قبل الإنسان، وأن نأخذ دورنا في الطابور بداية من طوابير الخبز حتى طوابير دخول
السينما.
هل توقف الموظف عن
تلقي الرشوة؟ هل قرر الطبيب أن يخفّض أجرته إلى النصف مراعاة للمرضى الفقراء؟ هل
قرر المدرس أن يبذل ولو مجهوداً يسيراً في الفصل؟
سيقولون ليس الشعب
وحده السبب، فهناك حكومة هزيلة وفلول يكيدون وعسكر يماطلون، ولكن هل هم السبب في
جشع المدرسين والأطباء والتجار والحرفيين وانعدام ضمير الموظفين والعمال، وإهمال
وتهور السائقين.
لن ننهض إلا إذا غيّرنا
ما بداخلنا، وقررنا ألا نلقي باللوم على غيرنا. سننجح إذا عرفنا أسباب قوتنا
واعتمدنا عليها بدلاً من الفهلوة والشطارة والحداقة والمفهومية. يجب أن تتبدل
صفاتنا القبيحة إلى أخرى حميدة.
سافرت كثيرا وزرت
بلدانا أكثر، ومنها فيتنام، وهالني ما رأيته فهي دولة تكاد تكون حطاماً إلا أن
أهلها يعملون في صمت ويبذلون قصارى جهدهم لكسب لقمة العيش. الطرقات مترهلة ولكنها
نظيفة. أعمدة الكهرباء الخشبية في كل مكان، ولكن لا نجد عليها رسائل تبادل الغرام
بين العاشقين. الأجور زهيدة ولكن لا نجد من يطالب بأكثر من حقه، أو يعمل أقل من
ساعات العمل المفروضة بحجة أن الراتب زهيد.
نعم قد يكون حال الوطن
مؤلماً، ولكنّ حال المواطنين بأيديهم، فلا أحد يملي عليك أخلاقك وسلوكياتك
وتصرفاتك، بل أنت الرقيب على نفسك.
من الآخر، ومن غير
فلسفة فارغة، لا زم ننضف من جوانا عشان البلد تنضف والثورة تنجح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق