بسم الله الرحمن الرحيم
من المؤكد أن تويتر بيئة مثالية للأكاديميين والنخبويين والمفكرين والناشطين السياسيين وكل أطياف المجتمع المثقفة أو على الأقل المتعلمة والقادرة ماديا على البقاء متصلة بالانترنت 16 ساعة من بين 24 ساعة في اليوم سواء في المنزل أو عبر بلاك بيري.
تويتر مكان رائع لتستمع فيه لرأي جيد أو مقولة فذّة الصياغة أو تناقش فيه فكرة تستحق عناء المناقشة. ولكنه في المقام الأول والأخير ناقل للحدث وليس صانعا له. تويتر يمنحك الفرصة لتتحدث وتتحاور وتصرخ وتسب ولكن كل ذلك في نطاق رد الفعل، لا الفعل. قرأت خبرا مستفزا في الجرائد فتضع الرابط وترسل تويتة. شاهدت فيديو وأدهشك محتواه وتريد من متابعيك أن يشعروا بنفس مشاعرك، فترسل رابطه في رسالة. ولكن أن تصنع حدثا وتروج له عبر هاشتاج، فهذا أيضا لم يكن فعلا بل رد فعل، و#Jan25 خير مثال على ذلك.
استعملنا جميعا هذا الهاشتاج وكانت كل تويتة كحجر وراء حجر يحرك المياه الساكنة حتى تبلغ موجات الثورة مداها، ولكن إلى أين وصلت الموجات؟ إلى كل أبناء مصر والعالم العربي والمجتمع الدولي. ولكنّ تلاحق الأحداث على أرض الواقع هو ما استقطب اهتمام العالم ووسائل الإعلام وأوساط المدونين. كانت التويتات بمثابة سيل من الوقود يبقي جذوة الثورة مشتعلة في قلوب المتابعين من شتى أرجاء العالم. ولكن لما خبت جذوتها في الشارع وعلى أرض الواقع، تخافت أثرها أيضا في العالم الافتراضي.
الاستفتاء كان مثالا آخرا جيدا. وانقسم تويتر بين بروفايل أخضر يحمل كلمات نعم وأيوه، وبروفايل أحمر يحمل كلمات لا ولعّ. انشغلنا على مدار أسبوع أو أكثر في تبادل الحجج والآراء وقضينا ساعات طوال في المناقشة شربنا خلالها أكوابا من الشاي والقهوة لا حصر لها، وفي النهاية لم يغير أحد رأيه ولم نصل إلى المواطن البسيط. لماذا؟ لأن تويتر مجتمع أيديولوجي، فكل مستخدمو تويتر أشخاص لهم آراء وتيارات فكرية محددة مسبقا. بينما على أرض الواقع، ماذا كانت النتيجة؟
خطباء المساجد هم من حسموا الموقعة. خطبة جمعة واحدة أنهت الانقسام الدائر بين أفراد العائلة الواحدة، وحسمت الأفكار المتصارعة في عقل المواطنين البسطاء. يافطتين كُتب على أحدهما نعم للاستقرار والأخرى نعم للدين.
تحدثنا كثيرا على تويتر ولكننا لم نتحدث مع أنفسنا بل عن أنفسنا وآرائنا. لم نستمع لما يريد الآخر قوله، فحاورناه بمنطقه. بل حاولنا أن نوصل له معلومة مفادها أننا أكثر علما وفهما وخوفا على مستقبل مصر. ولكنه لم يستمع. أتدرون لماذا؟ لأنه أيضا حريص على مصر ولكن من وجهة نظره التي حسمها مسبقا رجل الدين عندما قال له أمك ستخلع الحجاب والنساء ستسير عرايا في الشارع وأن الاقتصاد سينهار وسنتضور جميعنا جوعا، إذا قلت لا.
هل استوعبنا الدرس. حتما لا. فلازلنا نمارس نفس العادات ولا زالت لدينا نفس القناعات. حتى آرائنا لم تزدد إلا صلابة ولم نزدد إلا تشبثا بها. قد يكون مجتمع تويتر على حق. فهم جيل من الشباب الواعي الحر المثقف الذي درس جيدا ولم يعش في بيئة مفعمة بالقهر الفكري الذي يفرض عليه تيارا أو رأيا أو منهجا محددا.
قد نكون جيلا من الشباب الذي قُدّر له السفر خارج مصر فرأى كيف نهضت الأمم ويريد لأمته أن تنهض مثلها. قد نكون جيلا قارئا ومطّلعا على تاريخ الشعوب والأمم والثورات السابقة، ويعلم أن كل ثورة معرضة للإجهاض في شهورها الأولى إذا لم يلتف حولها الشعب بكافة طوائفه.
ولكن بالرغم من كل هذا، غفلنا حقيقة وحيدة. وهي أن نسبة المؤثرين على تويتر ما هي إلا غيض من فيض هذه الأمة التي تتخطى 80 مليون شخص. فلسنا إلا أعدادا يسيرة، ولا نملك سلاح الدين أو الاستقرار. بل الكلمات والفكر الذي لا نستطيع إيصاله إلا لمفكرين آخرين مثلنا. وليس إلى عامة الشعب.
ستأتي الانتخابات النيابية قريبا، وسيتكرر ما حدث في الاستفتاء. ولن تجد سوى يافطتين أحدهما مكتوب عليه انتخب فلانا لاستقرار قريتك أو مركزك أو محافظتك، والأخرى ستقرأ فيها آية قرآنية مكتوب عليها "انتخبوا القوي الأمين".
وسنظل نتناحر على توتير وعلى التلفزيون حول جدوى استخدام الاستقرار والدين في الانتخابات. ولكن في نهاية المطاف سيفوز من همس في أذن المواطن البسيط باسم الدين والاستقرار، ومن قدّم وعودا برصف الشوارع وبناء المستشفيات أو المساجد أو المدارس أوتشغيل العاطلين.
هذا ما يريد المصري البسيط سماعه، وهذا ما اعتاد عليه طوال عقود من الفساد والإفساد. إنه يريد حلولا سريعة لمشاكله المتفاقمة، لا أن تقول له اختر فلانا لأنه سيشارك في سن القوانين أو وضع الدستور أو محاسبة المسئولين.
وسؤالي الأخير لكم: إذا حدث ذلك مجددا، فماذا نحن فاعلون في انتخابات الرئاسة، وهل سنظل نستخدم تويتر كما نفعل الآن؟؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق