الفوضى والإهمال والحقد والغل والكراهية
والإتكالية والفهلوة والحداقة والاستهبال صفات متواجدة ولو بنسب يسيرة أو منعدمة
في كافة شعوب العالم، ولكنها متأصلة في مصر حتى تكاد تكون السمة الغالبة
للمواطنين.
الأسباب عديدة ومنها: التعليم، التربية في
المنزل والمجتمع. وإذا بدأنا بالمنزل فسنجد أن الطفل عندما يبلغ الرابعة يكون
بارعاً في استخدام الألفاظ القذرة مع جيرانه وأقاربه بل ويتلذذ بضربهم وسرقة
أشيائهم والاعتداء على من هم أصغر منه سناً، ووسط كل ذلك ترتسم الفرحة على وجه
المخابيل (الأب والأم) الذين يفرحون كثيراً لأن ابنهم بقى راجل.
ولم يكلّف المخابيل أنفسهم في تهذيب
سلوكيات ابنهم عندما يتعامل ببذاءة مع الآخرين أو إذا تصرّف بوقاحة مع الجيران،
وبالتالي تتكون لدى الطفل شجاعة سافرة فيتجرأ ليدير الدفة عليهم ويجرّب حظه مع
الأهل، وعندها يتعجبون من أين أتى بهذه السلوكيات "الوحشة" وعندما يعجزوا عن تأديبه ينهالوا عليه ضرباً بدايةَ من الشبشب وانتهاءً بخرطوم الحمام،
مع العلم أن الحل بسيط وكان أمام أعينهم لفترة طويلة ولم يكن الطفل في حاجة إلا لقليل
من الصبر والفهم والتربية الحسنة.
وهنا تجدر ملاحظة أن جهل الآباء والأمهات
بنشاط الطفل وذكاءه وعدم تحويله في الاتجاه الصحيح هو ما يسبب هذه الكارثة، فبدلاً
من الضرب أو السب، يمكنهم تحفيظه القرآن أو تعليمه الرياضة أو الرسم أو الموسيقى
أو أي نشاط يفرغ فيه طاقته، وفي نفس الوقت يراقبوا سلوكياته فيقوّموا ما يروه
معوجاً باللين والنصح، والترغيب والترهيب، وغيره من أدوات التربية. ومع ذلك تضيع
المرحلة الأولى من عمر الطفل وتبدأ المرحلة الثانية والأخطر وهي المدرسة.
على مدار 15 عاماً من التعليم الابتدائي
والإعدادي والثانوي والجامعة، ينعدم ذكاء الطفل تدريجيا فلا يتعلّم إلا
المناهج النظرية الجامدة التي لا تفيده خارج الفصل الدراسي. ويتقن الحفظ وأساليب
التلقين، ولا يتدرب مطلقاً على فنون وآداب الحوار، أو أساليب المناظرات، وبالتالي لا
ترسخ في عقل الطالب إلا فكرة واحدة، ورأي واحد، ومقولة واحدة وشخص واحد. لا مكان
في مخيلته لرأي آخر أو وجهة نظر أخرى، أو أن لكل مشكلة أكثر من حل. إنها النظرية
الوحدوية الكارثية التي زرعتها مصر في جميع أبنائها كما لو أننا أصل وخمسة وثمانين
مليون نسخة.
لا يتعلم الطالب في أيّة مرحلة دراسية مبدأ
التفكير الناقد أو أن كل رأي يحتمل الصواب والخطأ أو أن ما بين اللونين الأبيض
والأسود ألف درجة من الرمادي، وبالتالي لا يتمتع بنظرة شاملة في تقدير المواقف ويفقد
القدرة على التعامل مع الناس على اختلاف دياناتهم وخلفياتهم وثقافاتهم وألسنتهم،
فيفقد أيضاً أدب الاختلاف في الرأي.
الأمر الأشد خطراً انعدام قدرته على وضع
الأمور في ترتيبها ونسقها الصحيح، والجهل بمبدأ الأولويات، وقاعدة الأهم فالمهم، فيخرج
الطالب من الكلية غير قادر على تحديد أي أمر في حياته. لا يعرف ماذا يريد، وفي أي
مجال سيعمل، وهل هذه المرأة مناسبة له كشريكة في الحياة وهل سيتمكن من تربية أبناء
أسوياء معها، هل جاره إنسان سيء أم جيد، هل هذا السياسي أو ذاك المرشح أهل
للاختيار أم لا. وتضيع المرحلة المهمة الثانية ويتخرج المواطن المصري من أكبر
الكليات وهو أجهل من دابة.
ثم يقذف به الوطن في بحر الحياة، دون أن
يعلمه العوم أو يدله على اتجاه الشاطئ أو حتى يرمي له بطوق نجاة. وبناء على دماغه
وتركيبتها المضطربة وغير المتوازنة ونظراً لأنها لم تعمل طوال عشرين عاماً بالشكل
الصحيح، يجد الإنسان نفسه في مواقف يومية مع خمسة وثمانين مليون مصري يمتلكون نفس
العقلية المشوشة والرؤية المشوهة والفكر المعيب. وعندما يعجز عن مواجهة هؤلاء الأشخاص
أو التعامل معهم بمنطقه الوحدوي، يقرر في نهاية المطاف أن ينضم إلى القطيع، بعد أن
يدرك تمام اليقين أنه لن يحيا في هذه الغابة إلا إذا تعلم حيلها.
وهنا تبدأ المرحلة الأخيرة ونقطة اللاعودة.
يتحول المواطن المصري تدريجياً وبكل أريحية إلى كائن حي لديه عقل جيد ولكنه غير
قادر على استخدامه بالصورة الصحيحة، فيكتسب مهارات مثل الفهلوة، والحداقة، والمداهنة،
والمراوغة، وقليل من الكذب على كثير من النصب حتى يصبح في النهاية ما يطلقون عليه
اسم "دماغ وسخة".
لو أخذنا نفس هذا المواطن ووضعناه في أي
دولة أخرى (ولتكن عربية) فسنجده في وضعين لا ثالث لهما. الأول أن ينضبط ويسير وفق
منظومة العمل ويحترم المكان الذي يعيش ويعمل فيه ويصبح ترس في ماكينة، وتبدأ
أفكاره في الانتظام شيئاً فشيئاً ويبدأ في وضع أولويات لنفسه وخطط مستقبلية له
ولعائلته. أو يدرك أنه لن يتغير، وبالتالي يبذل أقصى ما في وسعه لاستخدام أساليبه
القذرة في السرقة أو النصب أو الاحتيال ثم يكبش أكبر مبلغ يمكنه الحصول عليه بطرق
غير شرعية ليعود إلى مصر.
إنني لا ألوم المواطن المصري وحده، فهذا
ليس الهدف من القصة، بل ألوم أيضاً المجتمع الفاسد الذي نعيش فيه، وأتمنى من الله
أن يتغير قبل أن يكبر أبناؤنا ويضطروا إلى معاناة ما عانيناه من قبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق