خمسين مليون مصري
لم أكتب هذه الكلمات
إلا لرغبة مني في تسليط الضوء على واقع يعيشه الملايين ولا يعرف عنه سوى القليلون.
إنه الأرياف والصعيد والنوبة وسيناء، أهالي القرى والعزب والكفور والنجوع الذين
يفوق تعدادهم 50 مليون نسمة، إذا فرضنا أن سكان القاهرة والإسكندرية معاً يشكلون باقي
الثمانين المليون مصري.
لم يعتقد أي مسئول حتى
الآن أن هذه الأماكن بحاجة للإسفلت كما في المدن، وتخيّل ونحن في عام 2011 تلك الشوارع
الترابية التي تسير عليها عربات متهالكة (بيجو 504 وفيات وسيات) فتُشجيك بمزيج من العُفار
والجازولين المحروق، الذي لا يؤثر على سلامة عينيك أو أنفك أو صدرك أو حتى ملابسك،
بل وعلى مزاجك العام في كل مرة تسير منطلقاً من منزلك في آخر القرية باتجاه محطة
القطار أو موقف سيارات الأجرة. هذا في الصيف فقط،
أما الشتاء فالقصة أكثر لزوجة.
الشتاء في كل الدنيا
خير، وفي المدن تغيير، وفي الصحراء بركة ونماء، ولكنّه في الأرياف بلّة وطين وعكّة
للركب.
وليست المغامرات الشيّقة
التي ستخوضها يومياً أثناء سيرك على طرقات أقرب ما تكون إلى "ووتر
سلايدز" بالعامل الوحيد لتدفق الأدرينالين في جميع أجزاء بدنك، فهناك عوامل
أخرى. وأبرزها حتماً تلك المناورات المشروعة لسائقي العربات والميكروباصات والتكاتك
والعربيات الكارو، وهم يحاولون إحكام سيطرتهم على مركباتهم في طرقات تشبه رغاوي
الصابون، والتي أحياناً ما تبوء بالفشل فينتهي بك المطاف أنت والسائق والتّباع و12
راكباً آخراً في الترعة أو المصرف.
وبعد كل ذلك، لن
تتنفس الصعداء حتى تصل إلى الموقف أو المحطة ثم تفتش جيداً في كل منطقة من ملابسك
لتتأكد من عدم وجود أي طرطشة أو طين أو بلل في أعقاب هذه المغامرات القصيرة.
وتتمنى، وأنت تعلم يقيناً أن ذلك لن يحدث، ألا تضطر للمعاناة مرة أخرى أثناء عودتك
للمنزل.
الكهرباء في أي مكان
في العالم هدفها الأساسي الإنارة وتشغيل الأجهزة، ولكنّها في هذه المناطق رفاهية
مطلقة. وهي دائماً مجنونة وبحالات زي الطماطم ( المسماة بالقوطة عند أهل البندر)، فهي
ما بين انقطاع دائم طيلة النهار وأحيان من الليل وقليل عند الفجر، وإما متواجدة
في كل وقت وحين ولكنها مسرّية (ضعيفة جداً) ولا تقوى على تشغيل الأجهزة، بل وتتسبب
في إتلافها وحرقها. وما الخيار الثالث بأفضل من سابقيه، فقد تظل متواجدة، وعلى
سبيل إدهاشك بسبب البيئة الكئيبة الساكنة التي تعيش فيها، تأتي ونتقطع أربع أو
خمس مرات في الدقيقة الواحدة وتظل على هذا المنوال ساعتين إلى ثلاث ساعات حتى
تتمنى لو أن إديسون دهسته شاحنة فقتلته قبل أن يخترعها.
المستشفى مرفق حيوي ولا
أعتقد أنني بحاجة لشرح أهميته، ولكنّ المستشفى في القرى تجبرك على ألا تمرض، لأن
زيارتها قادرة على قتل كل أمل لديك في الشفاء. فلا طبيب متواجد ولا معدات ولا
إسعافات ولا ممرضين. فإذا مرضت ساي (قول يعني) الساعة 12 ليلاً، لا تحاول مطلقاً
الذهاب إلى المستشفى. ولكن عليك بالإجراء المتّبع في حالات الطوارئ الريفية، وهو
الاتصال بعم أحمد (صاحب العربية البيجو 504) ليستقلك فوراً إلى المركز أو البندر.
ولا تحاول أيضاً
الذهاب إلى أي مركز متخصص، لأنه لا توجد مراكز متخصصة تعمل حتى هذا الوقت المتأخر!
ولأن عم أحمد متعوّد دائماً على هذه المواقف الطارئة فسوف يقلك مباشرة إلى
المستشفى العام التي ستجد فيها أطباء ولكن لن تجد فيها دواءً أو معدات أو أجهزة
أشعة (لأن المسؤول عن جهاز الأشعة روح بيته يتعشى). وكملاحظة أخيرة لا تحاول
الاتصال بسيارة الإسعاف، لأن سائقها غالباً ما يأوي للفراش مبكراً.
لن أتحدث عن الإنترنت
لأن ذلك كارثة محققة بكل المقاييس. ولكي تحصل على هذه الرفاهية، وهي في الأرياف والصعيد والنواحي المطّرفة (النائية) أمر بعيد المنال، يجب في البداية الذهاب إلى مزوّد الخدمة
في المركز أو البندر والتعاقد معه، ثم تنتظر شهراً حتى يأتي إلى سنترال قريتك أو
عزبتك لتركيب ما يسمى (دسلام)، ثم يأتي إلى منزلك ليمنحك الراوتر ومعه ذلك الجهاز
العجيب (قسّام) الذي يشقّ خط التليفون خطين، أحدهما للهاتف والآخر للانترنت،
وأخيراً يصبح لديك إنترنت (حمدالله عالسلامة). وبالطبع ذلك كله إذا فرضنا أن لديك
هاتف في المنزل!
أما إذا لم يكن لديك
هاتف، فعليك بالباشمهندس السيد، وهو طالب في كلية تجارة غالباً، ومشترك في
الانترنت وفقاً لما ذكرت سابقاً، ولكنه يوزّع الانترنت عبر خطوط سلكية متسلقة على
جدران المنازل وأعمدة الكهرباء (نفس فكرة الدش المركزي) مقابل اشتراك شهري زهيد،
ولكنه دائم الانقطاع إما لعطل عند الباشمهندس، أو لأن الهواء أوقع السلك من على
العمود، أو لأن الكهرباء منقطعة أو لأن السنترال لا يوجد به جازولين لتشغيل ماكينة
خطوط الهاتف.
احتياجاتك من ملبس
ومأكل ودواء مرهونة بمواعيد محددة وأماكن محددة، فمثلاً لا يمكنك العثور
على حجارة تريبل إيه (بتاعة الريموت) إلا إذا كان أحد أفراد المنزل ذاهباً إلى
المركز أو المدينة بالصدفة، لأنه وللأسف الشديد لا يوجد في هذه القرى والنجوع والعزب
كارفور، أو هايبر ماركت كبير، أو سوبر ماركت صغير، فكل ما هناك المحلات الصغيرة
والأكشاك التي تغلق أبوابها بعد العشاء بساعتين في الصيف وبعده بساعة في الشتاء،
والتي لا توفر إلا الاحتياجات الأساسية، وبالطبع لن تجد بها جبن رومي، ولا لانشون
ولا بسطرمة، وحذار أن تسأل البائع عن الريكفور لأنه قد يظنّ أنك تسبّه.
المواطنة هي الحل.
هناك تعليق واحد:
ابتسم انت في مصر !!!!
لو كل مسئول قاعد علي مكتب في التكييف وعربية بتوصل الاولاد للدرس والمدرسة وعربية تانية بتجيب خضار للمدام في البيت ونفس العربية تتصرف من تحت الارض وتغير انبوبة البوتاجاز أوقات الازمة الخ..... فكر في الكلام ده وعرف انه ربنا ممكن يحاسبه علي الاهمال في حق شعبه بيتهيألي ممكن الخمسين مليون دول يعيشو في حال أفضل وأحسن ....
أحييك علي المقاله الرائعه
إرسال تعليق